القاضي النعمان المغربي
216
المجالس والمسايرات
قلت : نعم . قال : فأعده عليّ ، فأعدته ، فقال : امض فقل لهما ذلك . ففعلت وأنا أظنّ أنّي إذا قلت لهما ذلك خرّا صعقين له ، فلمّا قلته قبّلا يديّ ، وعانق ذلك الداعي السوء صاحبه وقال له : قد وجبت ! يوهمه أنّ في ذلك رمزا وتحته باطنا ومضى معه / فدعاه وأصحابه ، وكان من أمره ما يطول ذكره . ( قال ) : ثمّ دخل إليه البغداديّ « 1 » وقد استفاض ذلك ، فذكره ، ودعاني وقال . هذا كان رسولي إليهما . ثمّ قال لي : أعد عليّ ما أرسلتك به ، فأعدته فبقي البغدادي باهتا لذلك متعجّبا له . ثمّ قال المعزّ عليه السلام لمن حضر بين يديه : فأين أنتم اليوم ممّا كنتم فيه بالأمس ، وبأيّ شيء تبلغون شكر نعمة اللّه عليكم فيما عوّضكم إيّاه وأيّدكم به ؟ إنّا عاملناكم شفاها بلا وسائط بيننا وبينكم فشربتم عذبا زلالا بعد ملح آجن . فقبّلوا الأرض بين يديه فشكروا له وذكروا ما كانوا امتحنوا به من أمر ذلك الداعي وما كان في ذلك / العصر فيما بين الناس من التباغي ، وأنّه من كان قد أتاه فدعاه أسقط من نفسه واطّلع على أعوار ما عنده ، ومن تخلّف عنه خاف البغي عليه والهلاك من أجله ، وذكروا من ذلك كثيرا . فقال المعزّ عليه السلام : أعجب بذلك لمّا لم يكشفه وليّ الأمر وأعجب به إذ لم يفعل ، كيف انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه . واللّه لو كان ما قد صرنا إليه من فضل اللّه ونعمته وما كشفه اللّه من طخياء تلك الظّلمة ، وأزاله من شرّ تلك الفتنة وأذهبه من شدّة تلك المحنة ، كان في عمر بعد عمر وقرن بعد قرن وعصر بعد عصر ، لكان عجيبا / ، فكيف بزوال ذلك كلّه بالتعقيب بخلافه وضدّه من وجوه الخيرات كلّها وعموم النّعمة وسبوغها في هذه المدّة القريبة والأيّام القليلة ؟ ثمّ شكر اللّه على ذلك وحمده بما هو أهله . ثمّ قال : وبعد أن كشف اللّه تلك المحنة وأخمد نار تلك الفتنة ، وأمكن من اللّعين مخلد وقطع دابر أنصاره ، وقرّ المنصور باللّه صلوات اللّه عليه في قراره ، ألم تكن أطرافنا تتخطّف مرّة بفلان ومرّة بفلان حتّى لقد خيف من أن يعود
--> ( 1 ) لم يسبق ذكر لهذا البغدادي . والقصة كلها لا تخلو من غموض واضطراب .